الجمعة، 24 مايو، 2013

إنارة على روح الأديب اليماني عبدالرحمن غيلان



إني أكره هذا الكاتب كرهًا أعمى،وأمقته مقت الزوجة الأولى للضرة، وحاقدة عليه حقد إبليس على آدم فكيف أخرج بقراءة حيادية،هذا ما حدثته نفسي به اليوم حول الكاتب وكيفية جعل القراءة حول كتاباته قراءة مجدية.

1_ أصبح عبدالرحمن مهووسًا بكِ .. مندلقًا على حافة أنوثتك الاستثنائية.

اللغة هي المبدأ الفعّال الرئيس الذي يوجز بوضوح كل فعل طبيعي،واللغة هي الطبيعة الّتي تقوم بأداء الأدوار،وبلورتها بوصفها جوهرَ العمل الإبداعي،فهي المادة الأكثر تقويمًا وعدم إتقانها يشوّه الأحكام الموضوعية حول النصوص الفنية الأدبية.

2- أيها الليل
يا مقام القيامِ
ويا خشوع السجود
ويا نواخذ الميقات يلفظ عُري الدهشة
خاتل المخاتل ,, واغمر المغامر ,, واشهق نبوءتك.

الأصعب من ذلك،صناعة الدّهشة الّتي لا تخطِئ شغاف العقول والقلوب،وإن أي كاتب "وجداني"إن لم يتحدث عن العاطفة بشيء مختلف عمن سبقوه فلن يحترف الدّهشة كما لن تهدهد حروفه مشاعر القارئ،وهذا ما لن يترك له بصمة مختلفة،لذا يحتاج الكاتب إلى قوة سلطوية تظهر أعماله الحميمية ببرهان جوهري يستطيع رفع قيمة كل لوحاته بآليات ناضجة،حيث يختزل ويركّز على إيصال المعنى،ليشكّل أيقونة في الساحة الأدبية،معادلة غير قابلة للنسيان.

يقول في مقاله "المقام المُبجّل من الأمنيات" المنشور في صحيفة الجمهورية:
3_ نحنُ لا شيء إن لم نسعَ لنصل .. إن لم نشقَ لننعم .. إن لم نستوعب لنثور .. إن لم نتفحّص لنرتقِ .. إن لم نُصارع لنؤوب .. إن لم نقارن لنختر .. إن لم نحط رحالنا حيث أردنا .. ونفتح ذاكرة المجتمع على حقيقة الوصول.

بعض الأدباء تتغذى أرواحهم على أحلام كبريتية،يتوحدون مع نار الحلم وواقعهم،فيولد من هنا الإبداع،وهكذا تعبُر الأفكار اليقظة الّتي تتفاوت فيها المعرفة بقدر ما تحمله من وعي أولوي. هذا المبدأ الخاص بتغذية روح الأديب يجتذب اللهفة لتصبح الحدسيات قبل عملية الكتابة شعرية تتمخّض دهشة.

4_ في خفقة الغسق .. أيقنتُ بهلاكي
أنا الآتي من رحم ولوعكِ .. أستظلّ قوافلاً في تفرّد أفلاكك ..
وأحط ّ يبابي بممر رياحكِ فلا تعوّذني المفازات ..
ولا تروّضني غير انزياحات فهمك للمُضجر من غباء الكون.


هذا الاقتياد للمغزى العميق بسيمياء عذابات،تظلّ فيها الرّمزية مبهمة تؤكد على أصل الأفكار بالمتعلّقة بالمعنى الجوهري للمعاناة، تحوم بحنانها حول الكاتب وبالتالي حول القارئ،نفخة سحرية مباغتة،تستقطب الرّغبات غير المشبّعة،ليكون لها تأثير حلم اليقظة.



1_ نشر في صفحته الفيسبوكية بتاريخ _ 18 نوفمبر 2009
2_ نشر في صفحته الفيسبوكية بتاريخ_12 ديسمبر، 2012
3_ نشر في صفحته الفيسبوكية بتاريخ_ 26نوفمبر 2011
4_ نشر في صفحته الفيسبوكية بتاريخ 27 سبتمبر 2012 ‏


الخميس، 23 مايو، 2013

قراءة في النص الشعري للشاعر خالد ابو حمدية




ملحمة وجدانية...خالد أبو حمدية.
هنالك نصوص "شعرية"تدخلك في حالة فوضى حسيّة بحيث تنسيك ما تقرأ،ولمن تقرأ،بعض تلك الفوضى مرغوبة إذا ارتقت بك إلى حالة وجدانية،وهنا يحضرني قاله تعالى في سورة الرعد :" فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ " آية 17

1_ مُرٌّ
-
على طرف اللسان
مَسيلُها عين الحقيقة
والثّمارُ المُدّعاةُ
أمَرُّ
يسحبك النص من ياقة قميصك بعنفوان ماتع،للغوص في بحوره،مشحونًا بحالة وجدانية زرعت عنوة في العمق.وتكمن خطورة قراءة النص الأدبي لأي جنس كان في أن الكاتب يجنّد لغته وفكره ومعلوماته إلى النص،فيدسها ضمن وجبات ينقلها إلى القارئ،وذلك يمنحه فضاءً واسعًا زمانًا ومكانًا ليتألق بمفرداته الّتي تخترق عقل القارئ الحر،فالقارئ الأسير فكر دونما غيره لا يمكن اعتقاله.

1_حين تَرُدُّنا لخطيئةِ أولى
اكتوى بحروفها التّفاحُ
واكتفت الجوارحُ بانزياحاتِ الكلام
على الظلالِ
بفتنةِ الذنبِ المُعّلق
لَحْظَ ينقشهُ الخيالُ
ولا يلاقي همّةً
تجدُ الجسارةَ
في الجمالِ
والاقترافْ
شاعر يمتلك أدوات اللغة،يتقن توظيفها وتساوقها،وهذه خطوة هامة تمنح النص شكله الخاص المتميز،ومن خلال هذه الخطوات يمنح الشاعر انتماءه للنص، واستشفاف الروح الشعرية المبثوثة في ثنايا النص،فقد نجد نصًا سليم الأدوات إلا أنه خالٍ من الروح ،
ندخله ونخرج منه فلا يهتز لنا عطف ولا يضطرب لنا عقل.
2_ لأنّك تسكنين بماء عــيني
أراكِ على المدى بيني وبيني
وأمعنُ في العناق فلا أرانـا
وألمَحَ تحت جفنيَ آخَرَيــن
سوانا لـم تطاوعهم خطاهم
ومــا مـلكوا لتــوديع يــدينِ
وما ادّخروا لذي لهفٍ شغافاً
فباتوا دمعةً في مـقـلـتينِ
أرى قسَماتي السوداءَ تسطوا

عندما ندخل بوابة النص لنجول عبر فضاء عالم القصيدة  ننظر إلى المقاييس الجمالية الخاصة بنا،وننسى أخذ المفتاح بعد ولوج النص،بعض البوابات تجعلك أسير بيئة ضيّقة أشبه بسجن عالي الأسوار  وبعض السجون فنادق ترفيهية.ففي الكتابة ما لم يكن الكاتب ذا قدرة على الإبداع، تشمل سمات وخصائص متباينة يودعها في القصيدة عوضًا عن مجرد "رصف كلام" فلن يكون قادرًا على خلق روح تحريكية للنص.
3_أنثى من الثلج
إشراقٌ يذوّبها
وشهوة الطين
لا تبقي لها رسما

فكن كما أنت
صفراً
لاشريك له
ولا تكن بحواشي عمرها رقما .

في النهاية يجب على الكاتب أن يدرك تمامًا أن الشروع في الكاتبة يعني أن يضع نفسه أمام محاكمة أدبية إبداعية،والإبداع بكلمة هو إضافة الجديد ،فعلى الشاعر أن يسأل نفسه:هل أضاف شيئًا إلى ما كتبه الشعراء في الشعر القديم،وهل سيترك نصه أثرًا في الأدب المعاصر.؟


1_ نشر في صفحته الفيسبوكية بتاريخ ‏5 سبتمبر، 2009
2_نشر في صفحته الفيسبوكية بتاريخ 15 ديسمبر، 2010
3_ نشر في صفحته الفيسبوكية بتاريخ 11 ديسمبر، 2011






قراءة في نماذج شعرية للأديب العربي العراقي محفوظ فرج





يقدم لنا الأديب محفوظ فرج سِيَرًا ذاتية للأمكنة يحيي من خلالها تاريخ المكان،كما يحيي مفردات وصفات وأسماء كادت تندثر تحت ركام الرّكاكة العصرية.
لا مشكلة في التطور ومواكبة التحضر لخلق بيئة أكثر ملائمة مع احتياجات الإنسان،ولكن تسمية الأشياء بأسمائها الأولى فعل إنساني بالدّرجة الأولى كونه يحافظ على طراوة ذواكرنا،عكس ما يفعله الفرد اليوم بحيث جعلوا من الذاكرة الأخرى عجائز دون قيمة تاريخية أدبية.
لذا نجد أن أجمل ما في نصوص الكاتب أولًا ،أنه لا يحاول التّخلص من ذاكرته باستخدام مفردات عصرية مهترئة،ولا يسمح لانعكاسات عصر السرعة التأثير على النص،ثانيًا استحضاره الكامل للتاريخ والحضارة ولغة الأجداد إن جاز لي وصفها،"بلغة الأجداد"مما يجعل من لغته أسطورة يخرج منها عن المعتاد مقاومًا عملية غسل الدماغ.
إن من يقرأ نصوص الأديب محفوظ فرج يدرك تمامًا ما أفرزته حياته أسيرة البيئة التاريخية والأحداث السياسية المتراكمة حيث تركت آثارها العميقة في قعر محبرته،بالمرتكزات مبدئية أخلاقية،أضف إلى ذلك تميزه بأسلوب عذب يلف النص بطابع الغزل المسموح به في حدود لا تخدش حياء القارئ وتضعه على موعد مع أناقة اللغة.
من نص "صوتك"
ترَقرَقُ عيناه إلى الماء
 أغفل كل موانئ دجلة
 إلاّ مرفئ عينيك
اختار العديد من الشعراء المعاصرين الجلوس على تل ومنحوا أنفسهم صلاحيات واسعة في تقديم"الجنس الأدبي وتقنياته"على الحدث لكي يخلّصوا أنفسهم من مواجهة مع التاريخ والقارئ،ونحن لا نعرف مسؤولية كل منا داخل النص،لكننا نعرف تمام المعرفة مسؤولية الكاتب داخل النص،كما ينبغي لنا  أن التعرف إلى   ضمائر الشخوص والأمكنة والمسترد منها بضمير الكاتب،وهي عملية  تتطلب الصبر لعبور وحشة الطريق في بناء البيت الشعري ذي الخصوصية التاريخية فيخرج الكاتب عن جنس القصيدة متوجهًا نحو ملحمة باستخدامه تماهي الزمن والمسافة بين المكان ودلالاته الرمزية.
من نص "ضيعتنا" محلتي بعد الاحتلال
 وراء السور
 نجلس ننحب تنحب
 أنا ورفيقة عمري اللفظة
 حتى لفظتها دبابات المارينز
 يا لضياعي لو أن لنا
 كرّة يوم وتعود لنا ساعات
ألمح فيها بعباءتها
 ذات الوجه النوراني
 تُقلّب قلبي في نارين
 وأُصلى في بسمتها
 الله الله

الأربعاء، 22 مايو، 2013

قراءة في نص "النخلة جودي"للقاص صباح نيسان


إننا لنشهد اليوم اندحارًا للثقافة العربية الذي لا يزال يفتّتُ معالم عوالمنا الصغيرة ،ويهدّد بسقوط الذواكر،تمامًا كسقوط السعف اليابس.
جاء نص "النخلة جودي"للأديب صباح نيسان ليذكّرنا أو لعله أراد أن ينقذنا من واقع التّخريب الكارثي،وسط هستيريا العُصاب الجماعي،لنفتح أعيننا أخيرًا على وحش أنشأناه بأيدينا وحدبنا على رعايته حتّى جاء اليوم الذي فغر فاه في وجوهنا ليَلْتَهِم في طريقه أجمل ما فينا.
يأتي القاص وسط الحكاية يسهم  بفطريَته قائلًا:"   جودي أيتها الأم .. كم من ألآلام دفنا في جذورك ؟ وكم من الدموع بكينا عندك بصمت ؟ جودي .. أنت ألام الوحيدة التي تبرر الذنوب ، وتنسى الحماقات." فيوسّع بقوله ذلك  العالم الوحشي ليمتدّ فيعتقل عبر قبضته على عقولنا برمتها ،فيتناسل الوحش فينا.

في قرارة أنفسنا لا ننفك نبحث عن شيء بسيط يقوّي رغبتنا في التعاطي مع واقعنا ووضعية استلاب الإنسان على أيدي الدكتاتوريات والمَكْنَنَة مخافة فقد مجمل الثروات الإنسانية.
 هذا الصراع الدامي جعل كلّ فرد في مجتمعاتنا كجندي متربص بباب بيته.

السبت، 18 مايو، 2013

قراءة في رواية الناجون،للروائية العربية المغربية الزهرة رميج











































الناجون رواية صدرت عن دار فضاءات للنشر والتوزيع ،عمّان.للكاتبة العربية المغربية الزهرة رميج.

حينما تجد نفسك أمام مرآة تتسلل من ورائها ملامح حقبة زمنية نادرا ما يتطرق للحديث عنها "أبطال ذاك الزمان"الأبطال الحقيقيون،وترتطم بالفهم المغلوط ومقارنات ما بين قانون لينين "بصرف النظر عن الغرائز واستهلاك الطاقة للإبداع،وما بين نظرية فرويد التي يدعي من خلالها أن لكل فعل دافعًا جنسيًا، وأن كل إبداع خلفه دافع جنسي."هنا ملامح تمتد تقاسيمه إلى عتمة الإنسان اليوم تطرح التساؤلات بشكل آخر لتعكس روح النضال والثورة على هذا الزمان،فالنضال ليس مقرونًا بالشهرة ولكي نمحو تشوهات الفكر المغلوط والدمار الداخلي يجب أن نقرأ التاريخ من أفواه المناضلين.

تأتي الكاتبة في هذا النص الروائي  لترمم ما خرّبَ في العشرين من خلال محاولتها رسم وجهٍ آخر للناجين،ففي أواخر الخمسين،أرخت ميلادَ جداول على عتبة الستين،وهنا أيضًا يحق لي القول،أينما وجدت اللغة الأكثر نزقًا وجد الانكسار،كررت  الروائية مقولة تدعونا للتأمل :"للنصر آباء كثيرون،أما الهزيمة فطفل لقيط.!" وبالنظر إلى التحولات الّتي تتمثل أمامنا بنتاج قاصر لا تفي ثوار ذاك الزمان حقهم وتضحياتهم، ولنسأل أنفسنا :كم هو حجم خساراتنا الّتي جعلت منا مغيّبين،وكيف محونا قسطًا من مفهوم النضال الحقيقي في طريقنا المحفوف بالقمع الشرس.؟

تتحدث الرواية عن ثورة السبعينيات من القرن المنفرط،إما لتضعنا على بيّنة من التعديلات الهائلة الّتي جرت على الإنسان بمزيد من التخريب والتجارب الأخرى الّتي أحكم بها الإغلاق على نفسه دون الالتفات إليها بمحبة أو حماس،حالة تثير في النفس القشعريرة الّتي تضرب الروح بمزيد من التخريب،غير أن الكاتبة أثقلت الحوار في نصها ربما لتسهب في سرقة البوح من الخيال في تصوير عذاب الزنزانة والمنفى ،ولأننا لم نترك لأنفسنا فسحة تتأثر بماضيهم سوف لن نتآزر أبدًا مع أي شيء في محيطنا الواقعي الحالي،لنصل في النهاية إلى توصيف دقيق لحال الإنسان المعاصر "الوحدة التخريبية".
سيخونك الحدس  هنا إن حاولت التوصل إلى تناغم بين الماضي والحاضر،فثوّار الأمس كانوا ومازالوا  متمسكين بالمبادئ النضالية وكانوا قادرين على توحيد الهدف في تفان وتضحية بالغالي والرخيص في سبيل أحلامهم،بينما "ثوّار"اليوم يتخبّطون بالدماء البريئة في ظل غياب الهدف المرجو من الثورة والفهم الخاطئ لها،ولأن الخطر المحدق بنا بشكل مفارق،ضربٌ من وهم،القادر على إجهاض أية محاولة للتّغيّر ليتجدّد باستمرار تاريخ الهزائم،ولننظر حولنا، كم من مزاعم القيادة والقياديين وربطات العنق،تقودنا إلى المخازي وجرائم ضد الإنسانية.!؟
على عمليات انجلاء الوهم والقمع المتراكم الّتي صار يعرفها الصغير قبل الكبير منا ،أن تبذل مجهودًا أكبر لتبيّن معالم الطريق،وترسم للإنسانية مجرى جديدًا ضمن مسار التاريخ الصادق وإتاحة الفرص لإبداع الفرد أن يتدفق.
إن تمسّك الفرد بالمبادئ واهتمامه بالهدف الجماعي حيث يعيش ليزداد تمسّكًا مع تقدّمه بالسّن،وبقدر ما ينسلخ عن المشاريع الخاصة الّتي ظلّت تستبدّ به وتشغله على امتداد العمر،بقدر ما يدنو من ذلك الهدف الكلّي الذي ظلّ يربطه لسنوات عديدة بالرفاق القدامى،ذلك الهدف ظلّ يعد أرضيّة  جرت فوق ملعبها أحداث البطولة،حينئذ نتذكر أشياء صغيرة في حياتنا لنضعها مقابل تلك الأشياء العظيمة،ونتساءل بيننا وبين أنفسنا،هل ستكون لنا أعياد ميلاد ستينية كما كانت لهم،وهل هنالك مصادفات خرافية الدّهشة كتلك الّتي كانت لهم،وأيّ مصير منتظر سنحظى به حينئذ.!

 كان ينبغي أن تعمّ ثورة غضب  اجتماعية عارمة كي يطفو  ألئك الأبطال  من جديد على السطح الاجتماعي والسياسي،بكل عنفوانهم وتألقهم،فحين يصيبنا التّغير بحكم مرور الزمن وامتداده ،تغدو تجاعيدنا براهين قاطعةً على حدوث التّغير،وأن هنالك شيئًا ما في قرارة أعماقنا ،وفي المناطق الأشدّ حلكة من كنهه،يظلّ شديد التمسّك بالماضي ،ليمنحنا ذلك قدرة على الصمود في وجه السيرورة التّخريبية،غير أن الحلم غرق في صلاة خاشعة.
تَرِدُ عليّ الآن وأنا على وشك انجاز هذه القراءة وخط آخر كلمة فيها،تَرِدُ عليّ صور بعض الرفقاء وهم يعيشون المحنة،يعانون مرارة الهزيمة والانكسار،والّتي بدت لي حين التقيت بهم أول مرة أقرب إلى نضج الخرائب الطافح على الجلود.

كلمة أتوجه بها  إلى الروائية الزهرة رميج:
ليت  بالإمكان تقبيل الذاكرة الّتي توقظ فينا شجن تلك الحقبة،ويدفعنا إلى جعل مصيرنا القضيّة الأولى والأكثر شرعية في مجموع نداءاتنا المطلبية لنيل الحرية وإعادة رسم ملامح جديدة للوطن.
أجل يا رفيقة مازال يسكن بداخلنا أمل،ورغبة أن نجرؤ على الإقدام بتجارب عميقة في اللحظات الحاسمة، لنعيد نهج ثورة تستتبع نضالًا،غير أني أخشى ألا يتسنى لنا العثور على المخلصين أمثال أولئك الناجين.



الجمعة، 17 مايو، 2013


 على وشك تعب ما أنفك يخنقني، تجتمع عليّ أنت وكافة حواسي،يومًا ما سأجمع  وجعي في قارورة وأتجرعه دفعة واحدة كي أتهاوى فتسقط من رأسي.

الخميس، 16 مايو، 2013




أعيشك ازدواجية تقليدية مفخخة كجمرة مشتعلة دوما بداخلي،مثل فلتة شاردة في زمن موبوء،تنهر المسافة وتشدّني إلى منتهى الثمالة،ومازلت مقيّدة بالعيش،يكبّلني الزمن فيه،امنحني طرف الحلم مقدار مثقال الوقت ووشاحًا من ذاك الزمان،يدمّرني عن آخري،لأعيشك في واحاتك الظليلة أرجوحة أعلو وأنخفض،وتبقى في منأى عن الفصول.
كلّ هذا لا يمنع السؤال العاجز من النصب: لماذا تمنح السجائر ما أحل  لي فقط.؟!



عبرت قوافل كثيرة في طريق فلسطين،وعبرت قوافل أكثر في طريق المنفى،
انتظر أيامًا أُخر،قوافل الأقزام يرتدون أثوابًا سودًا وعمامات هزيلة.



أهيم على صدرك بحثًا عن جذري،أمرّغ أنف التاريخ أغطي خيبتي ،غير أن الغبراء أظلّت فارسها وأستحل الفجّار الذمار،وما أن رآني حتّى انْبرَى لسانه يكرّر على مسمعي،كدأبه المعتاد:إن التاريخ يا بنيتي ليس سوى الطرف الآخر لي،تتوسّطنا جماجم العرب وما لذّ وطاب للجرب.
وكالمرتشف كأسه جرعة ،جرعة:بلغنا أنهم زمنئذ،قتلونا،أذهبوا الأبكار  تمسّكت بتلابيب جدّي وغادرنا فرادى.


 أين أنت.؟
ألقيت من عطرك على وسائدي كتعويذة تجلبك إلى الحلم.

مشبك شعر وجديلة سوداء طويلة،مكحلة وقارورة عطر أكدي،
امنحني شال الدّهشة.!

أسرتمونا غير مكرهين على المحبة،حتّى سقيناكم الوفاء صرفًا لتشيّعونا عند باب بابل قرابينًا للمعبد.
وأنشوطة السؤال أعنف من شقهة تدكُّ الخيال:لماذا كانت تمتدّ ليالي عشتار طويلاً،طويلًا في شهادة ميلادي؟

Sting - Saint Agnes and The Burning Train

الأربعاء، 15 مايو، 2013


تمر هندي،
منقوع اشتهائي،
ملوّز التّمر وعيناك،
حزمة أمل،وحفنة قُبَل،
القصيدة الحطب ،موقد يلهب كياني،
فستان أحمر يستر النصف المتجمّر
ياقة قميص مفتوحة تراوغ عنقي،
حين أصير أرضك تصير مائي

الثلاثاء، 14 مايو، 2013

- هو،ما أذكره،ما تنفك معالمي تتلاشى فيه بإيقاع بطيء.هي الذكريات الّتي تتصدَّر مَجلسي،تردّدُ شيئًا ركيكًا، هو على كل حال موضوع مُزهِر  ذو نسب وثيق بدمي.!

الاثنين، 13 مايو، 2013

شغف!!


الشغف أبو كلّ الأشياء الّتي نظن أنها تأتي قبله،هو حين يشعفنا  بربابة نبض يشدّنا لصهواته،هو الحب يجعل الأشياء الكبيرة والصلف منا هشًّا كالزجاج.
تتقاذفني الأزمات المسلوقة،والخيبات المبخّرة تفضح قلقي عليك بين كثبان رمالها السميكة،يا إلهي جفّ مزاجي،أرغب بفنجان قهوة ساخنة كمذاق شفتيك.
-         من أجلكِ سأفعل.
-         لحظة،لحظة،هل قلتَ سأفعل.؟ ألم أقل لك ،ليس من الضروري أن تخبرني بما ستفعل،بل اخبرني بما لن تفعل من أجلي.
ليس ذنبك،هي أشياء غائرة كحدّ مدْية في أعماقي،فمها مفتوح،تأكلني وحدي.
هل قلتُ مدْية.!
بل إنه منشار يحزّ عمر أشيائي الصغيرات كي أغرب  في مرآتي.
خذني للقهوجي،وهات معك ما نرقي به الطريق.


لقد صرتُ أكترث لتفسير الأشياء أكثر مما مضى، وهذا يفرض علي أقسى أنواع الألم .غير أن نفسي توقفت  عن الابتهاج بالوحدة،وأحياناً،أراك تدكُّ اللحظة كمن يسحق سيجارة بمقدّمة حذائه،فإن كنتَ تصر على الصمت عما لديك فليس من الضرورة أن تدمّر ما لدي.

تصبحون بمهجة.!


لقد تغيّرت الدروب،خلعنا أحذية كانت محمومة الخطى،فما عاد لنا مكان نجلس فيه لحظة توقان،كي نحتسي فنجان قهوة،لعمري تلك مصيبتي الكبرى.

مواجع قاتمة كدم العبيد



فراق كرحيل المواسم، أو فقد عطر هواء.
الذكريات الصغيرات،تراكم التفاصيل الدّبقة،اللقاءات اللّزجة،علاقاتنا المعلّقة بشعرة معاوية،جميعها أشياء ستفيض وتغرقنا ذات يوم صحراوي،ستجرف معها بيوت الأحلام وتذرو الأمنيات الكبيرة بعيدًا،بعيدًا،وستقتلع منا الجذر الأصيلة،لتتحول إلى بحيرة صغيرة وسط صحراء لا يمرّ الفرح بين فجوتها،ونحن الشاهد الوحيد على اللحود المترامية في أعماقنا.
 تتناسل المواجع قاتمة كدم العبيد،ولم يتبقَ من الماضي سوى الدّم وشخوص الكوابيس،غير أن دواخلنا  تضيق ،ويتضاءل الفضاء ليسنح المجال لكابوس جديد،حينها يتوجب علينا فعل شيء جنوني،فقط كي نغلب صدمة أخرى أو أبعد،مثل شيطان الرّغبة يأخذنا إلى الحدود القصوى للأشياء  ويعود وحيدًا تمامًا كما يتركنا،فمن غير المعقول أن يعيدنا خيبة أمل لم يذق فيها طعم الانتصار. في النهاية هي أشياء صغيرة لا يمكنها استرجاعنا.


من الفروق الفاصلة بيننا وبين الشعوب،أن الخيط الناظم الذي يوحد بين الأفراد هو عبثية المشاعر المتدافعة الّتي تتمثّل الوقائع في اللاوعي إزاء بعض.!





لا يستطيع الإنسان أبدًا،أن يحافظ على خاصيته الإنسانية ضمن دائرة
الهوان،وإذا ما حدث،فإنه سوف يغدو أثرًا بعد عبد.!

السبت، 11 مايو، 2013



هم نسخة مكرّرة،لا قدرة لهم على استدرار مدّ الرجولة،وهم لا حول ولا قوة بحق،وأنتِ،لا تعبئي من حب طالبًا للرياء،فالحب في بلادي ضرب من وَرَع،سماؤنا تمطر حجارة وأرضنا تنبت فَزَعًا.
كلٌّ مُسيَّر لما خلق له الله،وقس على ذلك من يقدر ومن لا يقدر.

...!



لا يجرمنك شنآن قلبي ألا يتوب عن هواك،فماذا يكون التّمزيق أمام هذه الأشلاء المبعثرة في الرِّواق،وماذا أكون وما أدّعيه شغفًا أو كلفًا.!
 رِقّْ، كي أُسطر هذا الفراق وأتحف الذاكرة الّتي فاتها حفظ تفاصيل الأشياء الصغيرة،فيحدوها الشوق إلى السؤال عن اللقاء القادم،عن حضورك يستمطرني ولهًا،عن عطرك  المباغت أنّى يكون لي منك وأنت العصيّ عن الإخفاء !

بينما أنا منكبّة على ذكريات عبثية تسلّقت وجهي،إذا بي أتوقف لبرهة كي أتلمس ملامحي الخشنة: لا أؤمن بكل القرارات الحتمية القاهرة،فهل ظننتَ أن الاشتراك في المكائد من شيمي،وهل نسيت،ألم تشرك بي ظلّي.!

يدهشني أني اشتقت إليك أكثر مما ينبغي أن يشتاق المرء،كي ألمسك، ربما ذات يوم منقلب سأستوقفك بنداء مفاجئ شغوف،غير أن رذيلة من رذائل النبض تسحق جمع شوقي الملوّث بدَنَس الوعد.

الجمعة، 10 مايو، 2013

قراءة ل رواية رسل السلام للكاتب هاني انعيم.!






قبل الدخول في الإضاءات حول الرواية أود أن أعلم القارئ أن النسخة الّتي حصلت عليها من رواية "رسل السلام"هي نسخة الكترونية قديمة وأظنها نسخة لم تخضع للتدقيق والتحرير.

وجريًا على العادة الّتي يتبعها المؤلفون لإظهار نظرية ما،يسلطون الضوء من خلالها  الفكرة  الّتي يسعون  لإيصالها من خلال ما يكتبون،كذلك الحال في بعض الروايات العربية،غير أن المواقف وحدها هي الّتي من شأنها أن تنوب عن الكاتبة في هذا الدور وفي هذه الرواية الضّيقة تحديدًا،
والّتي تدور  حول ثلاث شخصيات رئيسية :
-         حسنين شخصية المفاجأة.
-         فهمي الشخصية المتقوقعة وغير متوقعة.
-         عامر الشخصية الاجتماعية بشفافية فاضحة.
وكان الاعتراف سيِّد الأدلة، ولا مفرَّ  أمام القرّاء وهم الأذكياء،كان الأجدر تبييت نيَّة التلاعب في صوغ  العنوان "رسل السلام"فلم يكن هنالك من داع لمفردة "التطبيع" الّتي جاءت زيادة على نص الحوار فاضحة خباياه عند الصفحة 3.

حيث تبدأ حيثيات الرواية بثلاثة رفاق يغادرون بلادهم إلى بلد آخر،ثلاثتهم يقيمون معًا في بيت واحد،والثلاثة غرباء عن بعضهم البعض،غرباء في كلّ شيء،أرسلوا إلى بلد واحد للوصول إلى هدف واحد،وبرغم ذلك بقوا غرباء.
ففي الغالب الأعم و المتبع استخدام  أسلوب "الحكي" في النص الروائي،غير أنه وفي رواية رسل السلام مارس نوعًا آخر من الخطاب،فكان مثل مخرجي الأفلام والمسلسلات، يملي على الشخصية ما تقوله وما تفعله.وخصوصا شخصية الشاب "فهمي" المتقوقع داخل عباءة "الكلمات الّتي تعلّمها" ورأسه المحشو بأفكار لا أول لها ولا آخر.

تشابهت الشخصيات في الفصول حين كانت الشخصية تروي الحدث فكان من الصعب التعرف إلى الشخصية دون ذكرت أسماء بقية الرفاق مما يدعونا إلى الاعتقاد أن الكاتب كان يعاني  حالاً من الاضطراب  نتاج استغراقه في قلق الموقف فانعكس ذلك عليه ولم ينعكس على الحدث كما هو من المفترض حدوثه لينعكس بالتالي على شكل الرواية.

ومن منظور يحتمل وجه الصواب كما  أنه لو تمت إعادة صياغة العديد من جملها أو حتّى كتابتها وصهرها في قالب روائي مدروس  ستلاقي رواجاً واسعًا على المستوى العربي على الأقل. وخصوصًا أن الراوي اجتهد في العناية بجماليات الحياة عبر عناصرها التي تشكل نسيجًا يوميًا في الفضاء اليومي الاجتماعي.

 مجمل أحداث الرواية دارت في حيفا فلسطين ومصر لكنها أحداث شبه باهتة تفتقر إلى التشويق،برغم محاولات الكاتب  توسيع وإثراء شهية القارئ من خلال محيط دلالاته، مُتجاوزًا الحدود الضيقة للدلالة اللغوية، ومُحلِّقًا في آفاق وإيحاءات جديدة تشكّلت أثر الجلد الدائم لكنه وقع في فخ فكرة حالكة الظلمة فمكث فيها.
فالفكرة المطروحة  فكرة تستوجب طرحها بشكل أكبر على الساحة الفكرية وليست مجرد فكرة عادية تسترعي  الطرح ومراعاة خصوصياتها  ،حيث لم يتمكن الكاتب من الانعتاق من قيد المكان ومحدداته،وكما يبدو لي ولمن يعرف حيفا جيدًا أن الكاتب حاول رسم صور  اعتمد في رسمها على الخيال،محاولة لم تكن موفقة،في حين جدّ الكاتب في رحلة البحث عن الذات الّتي طالت في شخصية"فهمي" إثر ملامسته لظروف حياته اليومية واحتياجاته الّتي من شأنها أن تعيده إليه في البعد الإنساني.

تنتهي الرواية بمفاجأة صاعقة غير متوقعة،وربما كانت هذه المفاجأة أكثر إبداعًا من الرواية برمّتها.

وفي النهاية يحضرني سؤال إلى الكاتب هو:إن كانوا يعلمون سبب إرسالهم إلى فلسطين"إسرائيل"وأن الهدف الذي بعثوا من أجله مرفوض من قبلهم،فلم قبلوا بالسفر منذ البدء.؟!

كلمة إلى القارئ :المبادئ والقيم وحدهما تضمنان لنا النجاة.




مُمَانَعَة.!


مُمَانَعَة.!
 رفض المفروض على الفرد والمتوقع قبوله،بعبارة أخرى هي ردة الفعل"للرفض"أي التعبير عنه بمقاومة الواقع الأقوى"إلى أن يحل وقوع مقاومة الواقع"وليس حلول الرفض فقط.
 فأن يدّعي الفرد منّا الرّفض وفي ذات الوقت يرفض السماح لردود أفعاله أن تترجم رفضه لفعل،سيسقط في هول البلبلة،ومن جانب آخر نخرج من تأمل المُمَانَعَة إلى الاعتقاد "وهو الأكثر رجاحة" أن التحولات التكنولوجية الّتي توصل إليها الإنسان تسببت في تقلّص ساعات اليوم ،أو لنقل،ضغطت الساعات كما تضغط الملفات الموجودة على جهاز الكمبيوتر ولتتم عملية نقلها إلى القرص"فلاشة"،إلى جانب برمجته ليلائم التكنولوجيا وسرعة تطورها بحيث أصبحت هذه السرعة الّتي نشترك فيما بيننا فيها"نحن والتكنولوجيا"أصبحت تتسلق واجهة الحياة.لينهض العيب الرئيسي قائلًا: الإنسان هو من وضع نفسه في هذا الموقف،وضع في كفّ رفع ثمن الوقت،وزيادة نسبة الإنتاج وسرعته والّتي فاقت قدرات الفرد،وفي المقابل وضع روحه في كفّة الميزان الأخرى،إلى أن وجدنا ذواتنا تشبه مجموعة نزلاء في فندق،يفصل بيننا جدار سميك،حارمين أنفسنا من الاتصال الوجداني بيننا،فاقدين أية صلة أو علاقة تربطنا بالفندق"الحياة".
ولا تفتأ تتولد حالة انسداد الأفق وبلبلة ساذجة  تخلّ بتوازن الفرد،لنخلص إلى نهاية،أن ما أخذ يكتسي دلالة كبرى في حاضرنا هو أننا غدونا نبحث عن كيفية استرداد إنسانيتنا 

الخميس، 9 مايو، 2013

الغروب في فلسطين



لم يكن  أروع ما حدث لي في البدء  أنت،ولكن أن يغدو منتهى الأشياء كلّها فيك كقبلاتي،هذا هو الأروع.
غير أننا الآن لا نعيش الحالة نفسها،لذا ،امنح لنفسك بعض الرّتق يحمينا من  مغبّة الوقوع في الزّلل،ولنحلم باللحظة المخيفة مثلما كان علينا أن نجتاز الخطر فينا.انتهر وصايا السلف وهب للوقت سيوفًا ورماحًا،كي ندنُو من النهايات بشغف.

تنشأ اللقاءات وتتأسس إمكانية عقد أواصر المحبة بين الأدباء والمثقفين،على اعتبارها سلوكات الحياة للنهوض بالأمة حتّى وإن تخلّلتها خصومات بين أطراف اللقاء،والذين هم من يؤثث للنهضة ولهم تأثيرهم السّحري على كافة الأطياف.هذا ما يحدث في عالم آخر لا يشبه عالمنا.

الثلاثاء، 7 مايو، 2013

إضاءة على رواية سوسن وعثمان للكاتبة أمل بورتر





سوسن وعثمان

جاء الإهداء  ليخط خريطة مذبحة أخرى

وبكى بعضي على بعضي معي
إلى ايرس
عربونا لأيام الطفولة
بعد أن تاهت المحبة.
أمل بورتر.


لعبة الفلاش باك Flashback
رواية وضعتني على بوابة بغداد وشوارعها وأسواقها،إلى جانب ما ذكر في فصول الرواية من أسماء شخصيات عامة وشوارع،وبعض الأغنيات التراثية العراقية،وقبل أن أكمل قراءة جميع الفصول كان لزاماً عليّ سماعُ تلك الأغنيات كي يكتمل المشهد الملحمي،
 وتنتهي الرواية بالقارئ في فندق الملك داوود في القدس المحتلّة
 أو ربما  تبتدىء وجدانيّا .
فهناك دائما خيط استشراف يسحبك من الحيّز  الذي أنت فيه لتشتَمّ رائحة المكان الذي يُراد لك أن تتلمسّه من خلال لوحةٍ ، صورةٍ أو نغمةٍ بصوت مطربٍ عتيق وهذا ما حصل ..

القبنجي"الكُبّنّجي" وأغنيته يا نصارى، استمعت إلى اللقاء الذي أجري مع الفنان  محمد القبنجي في 18-5-1972، لم تكن الإشارة إلى هذه الأغنية تحديدا عبثًا إنما إشارة غيرُ مباشرة حول الأحداث الّتي تعرض من خلالها الفنان القبّنجي  للاتهام يإهانة مسيحيي فلسطين من خلال كلمات الأغنية،وما ترتب على تلك التهمة ،من محاكمة ودفع غرامة وعقاب أسري،إلى جانب البعد السياسي،ويبرز المكان لديها في محطتين أساسَين هما ،بغداد،والقدس في الواقع المعاش المُثبَت تاريخيا عن علاقة القدس ببغداد،كذلك هما هنا بين السطور وفي عميق الفكرة .

ولأنّ الواقع يكفي ليصنع خرافته وأساطيره جاء نقد الخرافة في الروايات العربية  في أحد الفصول  بطريقة رمزية خاصة، وعلى لسان سوسن بأسلوب طفولي،ص 70،71 وربما هي وضعُ ثقل في كفّة براءة الطفولة في ميزان الأدب العربي المعني بالأسطورة ربما يرجح بكلّ ذاك التناسي لها ، فحين تطمسُ جماليات الطفولة وعفويتها يكون نتاجُها شخصيةً ينقصها نصف تلقائيتها كي نراها بعين الرِّضى  .
وتحدثت الكاتبة عن البيئة الدينية والاجتماعية للمجتمعات في محيطها ولم تتطرق ولو بسطر إلى طقوس بيئتها الدينية على المستوى الأسري.
)صاحت حسينية: -لن أسمح لها بالزواج من رجل مسلم بعد أن جرى ما جرى لنا على يد المسلمين(."ص 136

وكان أن جُعل الحوار بمفردات عامية وباللهجة العراقية خاصة في أجزاء عدّة من الرواية حيث بدت حميميته وملامسته للوجدان ، فحين تتحدث الروائية عن أماكن وبمفردات محلّية تسحبك لتعيش الحالة بكامل تفاصيلها مقحمة إياك في لجّة  النص حتّى تكاد تشعر أنك إحدى تلك الشخصيات أو مررت بتلك الشوارع والأزقة وتنشّقت الغبار العالق بالجدران والشناشيل المُعلّقة بالبيوت تحت وطأة الخيبة المُحْكمة.
لتأتي صرخة موجعة مدويّة عن واقع مرّ المعايشة يفيض قهرًا في    قرارتِه على لسان وجَنانِ.
حاجب المحكمة،ستّار
 "بغداد مرتع الضيم والخوف،المتكبرة بضجيجها المفتعل،المتعالية بتاريخها الذي لم تتعض منه،العصية حتّى على أبنائها." ص- 45

ينصرف البعض في فهم النص إلى الخلط بين المروي له أو عنه من جهة،وبين الكاتب من جهة أخرى،لكن في هذه الرواية لا يمكن الخلط لكون الكاتبة جعلت كلّ راوٍ كاتبًا آخراً  للرواية بطريقة إعادة تشغيل الشريط playback.

وللحديث شجونه  عن بغداد _" لأنها تحتضن من يخضع لها وتعطيه دفقة معلومة من عواطفها،وتطعمه شهدًا محدودًا مختلفَ المذاق والحلاوة،يجعلك تدمن عليه ولا فكاك عنه،تأسرك بالقليل مما تمنح،وتوهمك بأنها قد أعطتك ما تتمنى،تبقى تخدعك وأنت منتش بالخديعة."ص46

تلك وجبة إبداعية
أسلوبها  في السّرد جديد عليّ،كل فصل تحكي باسم الشخصية الّتي يتمحور حولها الحدث،جُعلت كل شخصية راويةً بحد ذاتها،كأنها مجموعة روايات في واحدة وكلّ شخصية تروي الحدث من زاوية أخرى لا تشبه منظور من سبقه في القَصّ،.ولو تم اقتطاع كل شخصية وجمع فصولها  ستكون رواية تنطلق بأحداثها وتتميز بشخوصها.
وبوصفي قارئة وكاتبة ربما أكون عادية أو أكثر من عاديّة بقليل وقفت عند الصفحة 101 والكاتب الذي لا ينظر للأرقام بإشاراتِها وإحالاتِها التراثية والرمزية يظلّ فهمه لما يكتب ناقصا،ففي الصفحة 101 وفجأة تبدأ الروائية هذا الفصل دون عنوان أو اسم بطل الجزء :"سيدي الرئيس ترومان."

" مشروعي يتكون من ثلاثة بنود:
البند الأول من مشروعي هو القضاء على الفساد الذي يسببه الإنجليز في العراق"

خلاصة  الرسالة تشكل دعوة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لجلب قواتها إلى العراق نكاية بحلفائها الانجليز ،وهنا كانت الروائية تمارس نوعًا من أنواع الذكاء لإسقاط بعض القرارات السياسية منها القرار رقم 101 لتعيدك إلى قضية الآراميين قبل خمس مائة  وألف قرن قبل الميلاد .وهذا يضعنا أمام رواية هرمية تشبه نظام المعسكرات الداخلي، بعد الإطلاع على القرار مائة واحد وجدت أن الروائية "ربما"كانت توجه انتقادًا حادًا  من خلال وضع الرسالة المجهولة الهوية بمطالبة الولايات المتحدة بإحلال العدالة في بلاده
قرار رقم 101 (1953) بتاريخ 24 تشرين الثاني (نوفمب)1953  إدانة إسرائيل لهجومها على قبيه في   14 - 15 تشرين الأول (أكتوبر1953 .

وتنتهي الرسالة:" سيدي الرئيس نسألك أن تحافظ على نسيج بلدنا المتعدد الأطياف والأفكار والأديان والقوميات،وأن تدعم السلام والتقدم،ومردود ذلك سيكون نفعا للعالم أجمع ونحن على ثقة من اهتماماتكم بسلام وخير وتقدم العالم أجمع."
الغرفة 101 في فندق الملك داوود القدس وسِفر المزامير 101 الرقم  لا أدري كيف قادتني قراءتي  دَاوُدَ. مَزْمُورٌ  101بعد أن أخذتني  إلى القرارات الدولية بالشأن الفلسطيني منذ وصلت في قراءتي صفحة 101 والّتي بدأتها الكاتبة بطريقة مختلفة عما سبقها ولحقها.

وأيّا كان الرقم .. فأنّنا من خلال مخاطبات الرواية التي اندرجت  تحته وبين جنباته تظلّ الأرقام مشرّعة للزيادة والنقصان، إن كان على سبيل المجازر والقتل، نفسياً وبدنياً- .. أو كان على سبيل سنوات الاحتلال أيّ احتلال سواء أكان في فلسطين أم العراق أم في غيرها من بقاع الله التي خلقها الله من غير سياج وغير محتلين .


الكاتبة أمل بورتر بريطانية من أم عراقية تدرس تأريخ الفنون
ووالدها انجليزي،لكنها عاشت طويلاً في العراق ،نحن بصدد التعرف إلى  روائية ذكية ولمّاحة في  آن معًا.
وختامًا من الملاحظ عناية الناشر بتفاصيل الغلاف التي  جعلت منه حكاية أخرى،الرواية صادرة عام 2009 عن دار فضاءات للنشر والتوزيع عمّان_الأردن.