الخميس، 9 يناير 2014

رسائل




إليه،
كفَّ عطركَ عني،وإلا لن تعصمك كلّ المسافات مني،
إليكم،
أخرسوا هذا الضجيج،أوقفوا العويل،أريد أن أتلذّذَ بنبيذي وبقايا لمساته،
أنت،
دونكَ كلّ شيء يوجعني،وأعلم أنك إلى حتفي الأخير حتمًا ستأخذني،
إليّ،
علّمني جدّي كيف أهشّ على القهر بعصا وكيف أحقن أوردتي بالكبرياء وإن أنفت.
إلى مدلّلتي،
أعلم أني لم أوفق إلى أحلامك،لقلبك المطمئن في آخر الليل تهجّدًا،لروحك الخاشعة في الدعاء،أعتذر لأني لن أكون كما تريدين،ولن أكون أمًا، يا مدلّلــه إذا قام الرّصاص يصلّي واستقرّ أوجعه في صدري أشعلي المبخرة وغنّي،أو رتّلي ما تيسّرَ من حنّاء وزفّي آثامي ابتهالات إلى السّماء،ثم قولي عليها السلام.
عودة إلى العالم الآخر ،نلتقي أيّها الكرماء إن شاءت لنا الأقدار.محبتي لجميعكم.



نفسي الأمارة


أحيانًا أحتاج إلى من ينقذني من نفسي الأمارة بخبث،
هذه النّفس الّتي تأمرني أن أفعل كذا وأن أقول كذا،فمنذ قليل أمرتني بقتل أخي،وبعد مغالبة واشتباكات عنيفة  أدت إلى تحطيم كلّ الصحون في مطبخ أمي وإذابة كافة الشموع في جارور المدفأة،   واتلاف مخزون الشتاء من الحبوب وورق العنب،انتهت إلى هدنة تبدّلت من بعدها ملامحها وصارت أكثر ألفة،إلا أن ابتسامتها القرميديّة وشت بما تضمر،ولم يمضِ على الهدنة إلا قليل من الصّمت حتى جاءت تطالبني وتلحّ عليّ باستماتة أن أذيب السّم في الشكولاتة الّتي كنتُ على وشك إعدادها من أجلك،حتى إذا بردت وأصبحت لائقة للعق أن أضعها في فمي وأدعوك لتقبيلي،فتخيّل،كيف يكون حتفكَ في قبلتي.!!!

والآن،الآن،
تصطادني بشباكها ،تفترض أنني أريد الإعتراف لتحقيق مصلحتك،فعرضت عليَّ كأسًا من نيّتك،خسئت،فظنّت أني فقدتُ السيطرة عليها،ما كنتُ لأعترف بأقل من زجاجة.
هل ترى.؟
أن أشرح لك السبب الذي يحدوني إلى تركك تمضي،أن قدرتك على الجلافة مدهشة،يكفيني أن أضعك أمام ضميرك.
عندما تغادر لملم الطريق وخذها معك.



والآن
تُذكِّرُني ،عندما كنا صغارًا لقّنونا الأشياء باسلوب الخطأ والعقاب،
لاحقًا أدركنا وبعد أن تكاثر دود الخطأ في رؤوسنا أن العقاب هو بحد ذاته أن تخطئ،وان الإله أبدًا لم يتّخذ لنفسه صفة الجلّاد.!
ربّما ضمنتني،لكنك لم تملكني.!

وتستمر الهدنة!!!



السبت، 4 يناير 2014

تلويحتان













أنتَ لا تعرف شيئًا عنا،



تلويحتان
ذاتي حين تتحطّم إلى قطع زجاجيّة صغيرة،تعكس سخف الآخر كي أرى بوضوح أكبر،لستُ مجبرة على العيش  ضمن حدود نتاج تجاربك.

تلويحة لي وأخرى لظلّك القابع في ملامح المدينة،للناي حين يجزّ عنق الصّبر ويعزف آياته الحزينة،للحب إذا ما جفّ ريقه والتصق لسانه بسقف حلق الأمنيات الوئيدات،للجدّات الواثبات عند عتبة مخبز العويل،للآباء وعصيّهم السادية يقفون كالصخر الناتئ عن الجبل،للأمهات وهنّ يعددن عشاءً فاخرًا "بالحنّية"
هل تعرفونهم.؟
أولئك الذين يختال الفرح من أسمائهم،و تتعاظم فينا الخيبة والإنكسار كلّما طرقت أبوابنا الفجيعة.

كم أحسد أولئك الذين يقدرون على قرار الرحيل وتطبيقه،نعرفهم أولئك الذين يتجلّى القهر والحزن في آن معًا حين نذكرهم.

رسلًا،
تذكرتُ،فرسان أحلامنا الذين سقطنا منهم سهوًا ذات زمن لن يعود
كيف لي أن أخبرهم،أن الخطى تشيخ في الطريق  نحوهم، ونحن هنا في العالم الآخر نعيش كلّ الأشياء دون تاريخ.!



بدي حضن وبدي دفا
وبدي نام وفيق
وما لاقي من الوجع حدا
بدي جن وما حدن عليّ يحن
بدي روح وما إرجع
وخلي كل الدني تولع
بدي غني وارقص وكلّ الدني تسمع
بدي لاعب بنت الجيران
وغازل فارس مارق عحصان
بدي أشنق عابوابك زنابق
وفرفط عسريرك ورد
وعلّق بكعبي خلخال
أي أي بدي حب
وإلبس شال مطرّز
ولف خصري بغترة مختار


كلّ مساء وأنتم بإنسانية 








ترويض الخيال في فراشات الروحاني





سواء كانت الرّواية محض انبثاقٍ عن مخيّلة الكاتب المنهمكة في دحض ضرورة وجوده تارة، و تكريس الإحتفاء بذلك تارة أخرى، أو كان أحد الموجودات الّتي تتناسل على نحو يسمح للإنسان باستعراض تفوقه الروحانيّ  بأن يبقى حلمًا و غايةً،أو كان مجرد فضاءٍ لرصد تجربة الحياة بكل ما فيها من تفاصيل تجعل الواقع حيًّا حدّ الإرباك، وسواء أكانت كل تلك المحاولات المضطربة لتفسير النّص السّريّ تلامس حقيقة ماهيته اللغز بدورها أم لا، فيبدو أن كلّ حمولة في الحياة هي حجّة للدخول أو للحديث عنه،حيث يبدو قلق الإنزلاق إلى تأريخ فترة زمنيّة في لحظة البوح  في أوجه ليصبح شرط الحكاية هو نبذ الأنا،تمامًا  كالموت.
 ومن غير المجدي  السعي وراء مفردة تفسّر صمت ما قبل الدخول إلى عوالم الرّواية، هذا الصّمت الذي يدركه أي قارئ نهم بحدسه الصاخب،وأن ثمّة أمرًا  ما سيحدث ليسمح لحواسه لاحقًا بمطاردة نفسها في اتجاه معاكس لتعليمات وظائفها الفيزيائية المستهلكة .

 و باتخاذ الواقع والتّجارب الشّخصيّة  كمادّة إبداعيّة للرواية، تبدو حتميّة ممارستها لغة و حياة  موازية للخلاص من بلادة مأساة الواقع،حيث تستشرس غريزة الكتابة في الدفاع عن سلطتها في الحياة متّخذة من الرّواية رؤيا تنافس  بطش الإدراك التقليديّ،ليس هذا سوى ملمح يجاور الاعتراف بكيمياء السّرد، تلك الّتي لا تحدث سوى بانفجار أو اشتعال وتخلّف وراءها حفرة نُساق إليها بكل هشاشتنا كالطرائد.
رواية فراشات الرّوحاني للأديب العربي العُماني محمود الرحبي الصادرة عن دار فضاءات ( عمّان- الأردن )، هي فخّ في تكتمها الأقصى عن جدواها أو تأويلها للإرتطام في قعر الحياة ومآسيها،كلعبة مثيرة تحدثُ بين أي إثنين، تنتهي بلقاء أزليّ ؟
يقدّم لنا الراوي نصائح وطرقًا علاجيّة تأديبيّة تبقى نظريات إلى أن تطبّق، ولا تبدو الإجابات فيها أكثر من محاولات ونصائح تفوق بفوضاها جدوى النصيحة نفسها،في حين أن الواقع العملي العلاجي مازال يقدّم نفسه في عالم الطب كفخّ تختاره الفرائس برفعة، و ليست محاولة الحديث عنه سوى بوصلة تحسم اتجاه انفصامنا اليوميّ بين ما نريد وما أصبحنا نحو جهته بعيدة المنال، وإن كانت الحياة تقاس بمقياس التجربة فيها و قربها و بعدها من عناصرها الحيويّة،الحزن،والفرح،الحب ،والكراهية،فتبدو الرّواية تقاس بتألق اِغتراب عن مفاهيم الحياة وعن الذّات.
إن "المثاليات" الّتي  لم تختبر نفسها أو قيمتها  في الحالات النفسيّة والعصبيّة كردّة فعل ضروريّة موازية و منافسة للحياة نفسها،المحك الذي تنصبه الرّواية لمريديها يتلخّص بنوبة اقتصاص من حدوث التناقضات الّتي تربك الإنسان في تعريف نفسه فيقسو على بدائيته تارة ليبدو أمام حضارته "مثاليّا"، ثم العكس، هذا التخبط الحيّ و المباشر يصطاده الرّحبي بمهارة و يحاوره في لحظة تدوم إلى الأبد، ناطقًا باسم الهامش الذي تفرده اللغة لعنف الروح حين تضجّ بالخسارات أمام عالم تحرّكه رغبة النّزعات الإنسانيّة.
ليس من السهل التحرك في هذه المساحة، مع أن الحياة تبدو لوهلة خارجة عن سيطرة البشر، إلا أنها تتفاقم فجأة في دخيلته بلؤم،مستميتة في الدفاع عن جمالها و قبحها داخل و خارج النّص،ولفرط ما تستهلك الضحيّة من شراسة في نبش المناطق المأهولة بالأحلام والأماني والقدرة على التّغيير في الذات،لا يعود ممكنًا العودة إلى الحياة ثانية ببراءة من لم يختبر شكلاً آخر لقوته كطاقة ماورائية مهددة لحزنه الدائم،حيث يبدو أن الرّواية كجدل تحدث بين الرّغبة في موت ما سواها والرّغبة  في اسقاطها تمامًا من ذاكرة الإنسان،قدرتها على تسجيل نقطة لصالحها في مواجهة عالم الأدب حين تجعل من مريديها عشّاقًا وأبطالًا في  مجتمعات صغيرة متعالية على وعيها البسيط في الحياة  و بذلك تغدو لحظة التّقمص مظاهرة ضد الأنا في الذي يراه الآخرون  على أنه حقائق مستقبليّة نهائية لا تقبل الطعن بكنهها وهذا التصادم الدائم مع اليقين والمقروء لا يتخذ من الرّواية فقط مسرحًا لتداعياته، لكنّه كذلك يخرج من قلب القارئ جميلًا إلى الحدّ الذي يغيّر مفهوم الأفعال السلبيّة فيستوجب التوجّس  إلى أفعال  إيجابيّة يعين القارئ على تقديم نفسه بسخاء للآخر ،وهكذا  يقاس في وعيه أو دون وعي.




الخميس، 2 يناير 2014


أخبرتني جدّتي أن عرّافة بدويّة مرّت بقريتنا ذات سنة غبراء،وقرأت لأمي طالع البنات،"هي بنتك خضرا" .فرحت جدّتي وغنّت "قعدت الحلوة بالباب تتدلع،ومتلك يا حلو بالبال يتهنّا"فهجرها  جدّي عشر ليال على اثر هذه الأغنية الرقيعة،وعلّل هجره "تغنج المرأة حرام".
وعن جدّي أن تاجر "خرج" مرّ  بالحقول ذات زرع،وقال لأمي بعد أن باع لها ثلاثة أذرع من القصب، " بنتك هي  رح بتجبلك المشاكل بكرا".
فذكر عنها، أنها ناحت حزنًا ووجعًا،ثمّ وضعتني في أرجوحة معلّقة بين زيتونتين في وسط مقبرة،وكانت تهجع على جنبي الأيسر لتتمكّن من إبطال السّحر،وفكّ رموزه الخفيّة،إلى أن جفّ زيتون الجبل عن بكرة جذوره ،حتّى إذا جفّت البئر طالب أهل القرية برأسي،
فما جلبتُ الفرح لأمي يومًا،ولا  اخضرّت الحناء في كفي،
فلا تحدّثني عن المثاليات،وعن قصص بنهايات كاذبات

علّمني فقط،كيف أراوغ سيل الأسى كي أقبّلك.

أبدًا لا شيء.



أنجزت سنة متسوّلة أخرى رغم توغلها  في رفاهة المواعيد، أقول هذا لأن الضوء كلّما جئت وضّأني ،

كلّ المدن صامتة،جميع شوارعها عارية،ومقاهيها مغلقة،كيف لي أن أيمّمَ قلبي بغبار أزقّتنا ورطوبة الجدران مازالت تعبق برائحة القبلة الأخيرة،!

لا تصدّق حقيقة أنا أقول أي شيء لأنك لستَ معي،والبرد هذه الليلة يدفعني إلى البحث الملحِّ عن موروفين يبطل حاجة الحضور،
كحاجة دمي للنيكوتين يحقن وريدي بملامحك،
جميعها أسباب منتقاة لي شخصيًا،

حتّى أحلامي متورَّطة  بك،
إلى أن خلتُ  الوسائد تُخبِّئك،

فأحرقتُها.!



في قلبي لوثة جفّت كأوراق التّين،لكن لا تقلق،سوف أتعاطى أنتيبيوتيك لثلثيّ الشهر وبعدها كلّ شيء سيكون على ما يروم سراط الفتور .

يا دين السجائر وهذه الليلة رقيعة البؤس،
متى تكفُّ هذه الأعوام عن العبور،ومتى يتوقف العام عن إدعاءاته والتظاهر أنه كان لنا؟ لا عام سوى عام البقاء،ولا جديد سواه أيضًا،اعتراف بائس،يستدعي رحلة العام،لطالما تخيّلتَ العام مضى



لا تضربي موعدًا مع رجل ثريّ،فهو لا ينظر إلى ساعة يده بقدر ما ينظر إلى مستقبله.!


أنا صرت أشك أن أهل الأرض خونة ينتصرون لبائع الحياة.،عملاء لعزرائيل.!

لا وجع أشدّ فحشًا من أَن تُمسي وتُصبح عاجزاً عن هشّ مجزرة ذباب الذاكرة ولو تسبيحًا على شواهد المقبرة.!

سأصنع ركوة تليق بحضور عرّافتي الغبراء،
عادة تجيء مثل برق دهشة،تضع حملها وترحل قبل أن يرتدّ إليّ الإدراك،
تبعثرني ،توجعني،وترغمني على مشاهدة أفلام المومياء والشياطين مستعينة بدراكولا ،أذكر لقطة من إحدى أفلام الرّعب الّتي أرغمت على مشاهدتها ،صبيّة لم تبلغ السادسة عشرة من عمر قهرها،وقفت على حافة صخرة شاهقة ،لستُ أذكر تحديدًا من أين جاءت تلك الأيدي الآثمة الّتي دفعتها إلى "الإنتحار".!!كأن عرّافتي رسمت خريطة المكان،وهذا أكثر غرائبية،إذ كيف تصوّر لقطة كتلك في منطقة قريبة من نابلس.!!!
على ما يبدو أنها سترافقني حتّى الفجر.


غرابي الأكحل يمارس الحب سرًّا مع عرّافتي،
أعرف أن الغراب سوف يطير ذات يوم وتقتل العرّافة.
بيني وبين القطاط ثأر.

كلّما أعددتُ لكَ مائدة سامة هرعت تلتهم بعزيمتها الّلئيمة سمّ الوليمة.!

الّلغة القاصر كالحلم المبتور،والمساءات القاصرات كالخمر دون كؤوس وموقد أشواق دون شعلة.

حين يستفيق جحيم الذاكرة،تجوّل في زقاق المخيم.

هل جرّبت الإمتلاء برائحة "التِنر"
هل جرّبتَ أن تلوط الأولاد والجدار.


خاسئة تلك الأزمنة العاجزة عن حماية الطفولة..

الأحد، 29 ديسمبر 2013

فاطمة



المرأة الفلسطينية،كلّما سوّلت لي نفسي أن أكتبَ عنها،تراءت لي فاطمة النحيلة بفستانها الفضفاض وحطّة رأسها البيضاء،تذكّرت خطاها الخفيفة الواثقة،ويكأنها ريشة تطيّرها العطور،لا العود ولا الخزامى يشابه رحيق أنفاسها،لا زرقة الياقوت تليق بعينيها ولا خضرة زمرّد برشاقة خواصرها،
تبقي الإجابات المفتوحة على جميع احتمالات الخطأ والصواب،ليست مجرد امرأة عادية،أو شفافة بقدر ما هي غابة أشجار،ومجموعة أصوات تستهلك حواسّنا الخفيّة في اقتفاء أثر الفروسيّة، هي على الأقل لقّنتنا الكبرياء وعزّة النّفس وأرضعت أمي كرامة لا تنضبّ،فهكذا ضمنا على الأقل ازدحام أنفاسنا بالوفاء، تلك هي فاطمة الغواية الّتي لا تنفع معها أصابعنا  الكثيرة للهرب من أقدارنا.




الجمعة، 27 ديسمبر 2013

نشيد وطنيّ للإحساس




نشاز،
كلّ ما تدّعيه فقاعات صابون.
هل أخبرتك.؟
تقلقني  خاصرتي أكثر مما  تقلقي  التّجاعيد
وأنت تركل الوقت بمخالب وجوم
ثمّة أجساد تغفو على سرير واحد ولا تغفر
  نم قليلًا  واحلم أن هذه  القلوب توابيت شاغرة
ثم قل لي وداعًا،وودّع  نصف ما اعطيت وجلّ الذي قلت
واكره عطري،ذاك الذي يطاردكَ كإثم  كأنك عقاب
 سيحدث كل شيء من جديد
فإن شئتَ جئتَ،وإن لم تشأ كالآن بقينا.
أيّها الوقح  كحرف مائل ونقطة فاضحة
كساعة واحدة كضحكة رقيعة
صدّق  فيها "الملقّي "أننا كنا نُلتَهم حبًّا

تعرف،
صرت أخشى أن تجيء متأخرًا فأسيء تقبيلك فوق أرض مفروشة بالدّماء.
الساعة زعل إلا  أوان  نضج،وكأسي الأخيرة سوف تغرقني في اِبتعاد.      
تصبحون الآن







أحبُّ فيكَ



أحبُّ فيكَ حين تبعثرني كالقطن المنفوش
فوضى إلى ما فوق رأسي
أصير أبحث عن ولاّعتي بعد أن عجزت أجفف الرّطب من أعواد الثقاب
اِرتباك حماقاتي
كسرب دبابير تزنّ حول رأسي
ثمّ يرفعني كلّ دبور بخصلة من شعري
أطير وشالي الصوفيّ وما تحته
وسفالة التّنورة ووقاحتها
كلّما هبّت الريح ردَّت عليها تعرّيني دون خجل
في اِلتباس كاحلي بحذائي،
أهذا عالٍ زيادة،وهذا قصير أناقة.؟
أعطري الدائم أفضل؟
أم هذا الباهض أشرس إبقاء؟
أما شعري فهو الوحيد الذي يملي عليّ ألا أمشطه ،
طمع اللّئام في شنقي
يدوّخ الشوق الضارب في عروقي

يترنّح فيّ كالسّم يُبطل كل دفاعي

الخميس، 26 ديسمبر 2013

الشوق فخّ من فخاخ الحب،لا تطعه
كالنّبيذ فخ القبل الأشهى ونهم السجائر وما تبقّى من توقّد،لا تنفقه،

أرأيت،
الشوق النّباح بين جدارين،ولسان الحنين المعلّق في عنق المساء،؟
أرأيت،
الحطب مبتلًّا بوجه امرأة فضّه المطر،برنّة خلخال وإزميل في كاحل الوقت .!
أرأيت،
وأنا أخبِّئ قراصنة الحنين وقشّ الوجد تحت جلدي.!

رمّم إن استطعت هذا المساء وكفى

الثلاثاء، 24 ديسمبر 2013

ما الذي يريده الفلسطينيون.؟

ما الذي يريده الفلسطينيون.؟

سؤال أكبر من أن يختصر الرد عليه في مقالة ،ربما لو طرح في التسعينيات من القرن الماضي لكانت الإجابة حاضرة وكان بالامكان اختصارها في"وطن"،أما اليوم فقادة الفصائل ذوات أنفسهم لا يعرفون ما يرغبون به وبالتالي لن يعلموا برغبة الشعب الفلسطيني العظيم.
كانت الشخصية الفلسطينية في الرّواية تنبري قائلة"عائد" فإلى أين أيّها الفلسطيني تعود.؟
إن من الأمور المروعة أن نرى إنسانًا مقتنعًا في قرارة نفسه بأنه كيفية كليّة ونهائية وحيدٌ ،لأن في ذلك الإنسان بعدًا جغرافيًا تراجيديًا يصل حد القدسيّة في بعض الأحايين ،كما فيه وفي ذات الآن بعدًا فظيعًا من التّناقض ما بين رغبة في التّغيير والتّعبير، 
تارة ننبري قائلين:نريد العودة إلى ديارنا،وتارة أخرى نخرج لنعتصم ضد سياسة حكومات مضيفة،حتّى الدين نمارس فيه سياسة التّرغيب والتّرهيب،فإن كنت راغبًا بوطن عليك أن تقاوم،ماذا تقاوم تلك هي معضلة الشعب الفلسطيني،أنقاوم الاحتلال أم نقاوم من يمنع عنك  مقاومته.؟!
هنا سقط الفلسطيني في فخ التّيه المرسوم له بتواطؤٍ مع كافة الأجهزة المسؤولة عن توهانه دون أيّ استثناء،وغير خافٍ أن الفرد  يحاول أن يلبّي من خلال نضاله اليومي بعدَين مهمّين،يتعلّق الأول برغبته في حياة كريمة ،والآخر في صياغة معنى لوجوده بحرصه على أن يجسد وطنه في كافة سبل عيشه وعذاباته وفي ملامحه الحياتيّة،سواء في الداخل الفلسطيني أو في الخارج،وقد بدا هذا من خلال المعارض الفنّية للفن التّشكيلي والتّطريز ومن خلال النّحت في صور القصيدة،واحتفائه باللّباس المظهريّ قد تعاظم لدى البعض بحيث رفضوا الشخصية الفلسطينية الحقيقيّة المحتلّة والمختلفة عما صوّرته الذواكر،مستعرضًا بذلك ذاكرته الموروثة عن الجدّات،رافضًا تصديق كل ما طرأ عليه من تغيير،وكي نكون أكثر موضوعية وإنصافًا،فإن هذا من أخطاء الشعب الفلسطيني إزاء أهمية التّواصل الإجتماعي بين أبناء الشعب الواحد سواء في الداخل أو في المنفى.وحيث اختصر هذا التّواصل على الفصائل المتناحرة ولن أدعي وجود تواصل بنّاء بين الفصائل والأحزاب الفلسطينية.

ليس من قبيل المصادفة أن تتطوّر المسافة ويساء استخدام المفاهيم وتغيير أسماء المدن والقرى الفلسطينية ونسبة أهلها إلى "عرب إسرائيل وعرب الداخل وعرب 48"بين تقاطع فترتيين زمنيتين وتطوّر القطيعة الحاصل بين أبناء فلسطين،إذ كيف سيتسنى لقذارة الفكر الصهيونيّ أن يجد ملاذً لولا وقوع تلك القطيعة.؟





الأحد، 22 ديسمبر 2013

للحب في هذه الرّواية نكهة خاصة




للحب في هذه الرّواية نكهة خاصة،حيث لا تتشابه مع قصص رأيتموها أو خبرتموها،تتغير في المسافات أمزجة الناظرين،أتساءل،ما الذي سترونه لو تغيّرت الظروف وبعدت أو قصرت المسافة.؟!

ليست هذه مدينة الملائكة والمستريح بدور الدفء فيها هنا لا أحد،
نسج الرّيْب فوق أكتاف الليل أحلامهم الآيلة للسقوط،واستعان بمظلّة تقيها زخات المطر،
هل أبصرتَ سوأتهم في مضيق الطريق؟
أيُّها المستاء من كلّي عداك فيّ ،حدّق مطولًا ولا تطل البكاء أخشى أن تفوتك مواقيت الوضوء والصلاة على القلوب ليست تقام في أول الأيام.

السبت، 21 ديسمبر 2013

حاجز وورد






حاجز وورد

هل جربت أن تنحني أمام المارة وتنظّف أثر خطاهم الهاتكة لتعبك.؟!

أعلم تمامًا أن الحياة مليئة بالمآسي والشرور، وأدرك صعوبة الحصول على حياة كريمة في عالم تأسس على قاعدة "البقاء للأقوى" ولكنني موقنة تمامًا أيضا أن في الإنسان شيئ غامض في أعماقه،لا أعرف كنهه، يساعده على تجنب الطرق المسدودة مبكرًا إن أحسن استغلاله، فالأمل القائم على العمل والاجتهاد لم يخذل من قبل شخصًا امتلأ قلبه بحب الحياة والناس،الحياة لا تبخل بالفرح على الصادقين، الذين لا يحملون في صدورهم غلّاً، ولا يضمرون للعالمين شرًا، العمل الصادق يصنع سيمفونيّة عذبة تتعالى كأنغام جميلة في الأنفس وفي مسيرة صراعنا مع هذا الإحتلال.

هل رأيتَ امرأة تشدّ عليها عباءتها بعد التشليح.؟جرّب إذًا أن ترسل أمّك إلى حاجز تفتيش صهيونيّ،جرّب ولو مرة أن تكون فلسطينيًا،لسوف يطاردك وجع المترفين بؤسًا والمطاردين جوعًا ورعبًا،وقتئذ لن تعلم أيّ العورات كبرى وأيّها صغرى،فحين تفقد حقك بإتخاذ القرار والبقاء مستورًا تتساوى كلّ الأشياء الأكثر قذارة مع بقية الطّهر.

تخيّل أنك مصاب بانهيار معنويّ عميق، ويسدّ الضيق حنجرتك،ثمّ تصوّر أن يمارس معك الجنديّ على الحاجز كلّ الممارسات الشنعاء،وافترض هذه الدنيا العارية الخبيثة أعضاء حديديّة تمارس معك الّلواط من كافة الإتجاهات،ووجهك غير الغريب يهيّج الوغد الإسرائيلي ليخضعك لكلّ أنواع التّنكيل من أجل ملذّاته وأنه لسوف يطلق سراحك خوفًا من الإيدز مع أن كلّ ما فعله في الغالب لا يترك آثارًا على الجلد.

هل جفّ حلقك.؟
لا بئس في فلسطين ولا يجوز ربط تصرفات الناس وطباعهم الّتي جبلوا عليها بجيناتهم البيولوجية،فمن غير المعقول أن تجد فلسطينيًا ترتبط طباعه وصفاته المحتلّة وليست الأخلاقية بجيناته وأصله الذي ينحدر منه، أنا لا أستطيع أن أستسيغ  ومن عجائب هذه الحياة أن السّطحيّين والتقليدييّن يتحدثون بغرور ويقين يحسدون عليه ببعض الكلام  وسؤالهم "ماذا يفعل أهلنا في فلسطين والدّاخل.؟" لن أعذرهم رغم وجود الأعذار وهي كثر،فهم لم يجربوا إرسال بناتهم وأزواجهم لعبور الحاجز،هم لا يعلمون كيف نقف برغم كلّ ما نرتديه عراة على مرمى جلّاد لا يرحم حياء الأموات فلم يرحم.

إذا فعلتم جرّبوا حينئذ أن تكتبوا نصًّا أدبيًّا أو قصيدة مدح برموز"النّضال"أو قصيدة غزل بأنثى أسميتموها جورًا سيدة النساء،وأنشدوا لنا حكاية عن الفرح وعن نقاء  الثّلج ولا ضرّ لو رتّلتم لنا حبًا،وقتئذ سأركل مؤخراتكم الهزيلة.


أنت وجميع من يعيشون منغلقين في تخيّلات تبنّوها لإلغاء النّضال الحقيقي جرّب أن تقف على الحاجز وتوزّع الورد لمن شدّوا الحبلَ لتُرفعَ علمًا فوق رؤوسهم.


الجمعة، 20 ديسمبر 2013

احفر عينيك بإزميل المشاهد،فالدّمع لا ينطق،والصّمت الفاجر يحدث ضجيجًا في رأسي،

سأكذب قليلًا،وأدّعي أنني لم أعرفك،ولعلي أتمادى قليلًا،وأسهب في كذب كثير يبدّد وحشة التّيه، 
سأدّعي أني لا أعرف أصولي ولم أخلق في هذا الوطن ونسيت تاريخ ومكان ميلادي،
وبعد كلّ كذبة سوف أركل برأس إصبعي المكسورة حصاء الصّدق،وأرشق وجه الصّباح والمساء بالأمنيات المعطّلة،

لسوف أستمتع بأغنية خليعة وأدعو كافرًا ليراقصني،الكفرة أكثر رقيًّا من الوقحين أدبًا.
سوف أزعم أني أحبك،تخيّل، أرأيتَ أعظم من هذه كذبة.!
صحيح نسيت أن أسألك،هل تعرف أمي،أو تعرفني؟كأني رأيت امرأة تحدّق بي،ظننتها أمي،تشبهني!

الخميس، 19 ديسمبر 2013




أخبرني جدّي بعدد القبلات الّتي تركها على جبين جدّتي ليلة توقع موته،
كنتُ سأضحك،لكن ملامحي تصلّبت بدلًا من ذلك،كنتُ أريد منكَ أن أكون مرة على الأقل أنا،كنتُ أريد أن أخبرك،عن فكرة أن تأكل الديدان جثتي تلك فكرة لا ترعبني بقدر خوفي من أن لا أكون مرة واحدة معك.
حاول أن تبتسم الآن بشدّة،وحاول أن تروي لي حكاية أسطوريّة للأطفال بلغة فذّة

الأربعاء، 18 ديسمبر 2013

إلى باسم

سأخونك،سأخونني،سأخون رفيقنا وستكون لنا طاولة في الجنّة ونبيذ وسجائر ومغنون قدماء،وسيكون لنا كلّ ما ترفّع عنه كلّ أهل الأرض.

الخميس، 12 ديسمبر 2013

لوحة للفنان العربي العراقي عبد الأمير علوان أسميتها "مواعيد الأمس البعيدة"




اللّوحة المرفقة للفنان عبد الأمير علوان

لوحة للفنان العربي العراقي عبد الأمير علوان
أسميتها "مواعيد الأمس البعيدة"

يبدو النّظر مرهقًا كهذه المرآة المنطفئة بمقلتيها على وجهي،تعبة من طول التّحديق في شوارعنا الباردة.

يالحظي العاثر،ضلّت السحب طريقها وسلكت طرق الراحلين دون زاد،تلفظ أنفاسنا تارة،وأخرى تجترح خبيء النّفس تمجّه بشغف عاهرة ظامئة الجسد،تحوك من خطانا التائهة موآمرة تتسلّق بها على عثراتنا،وبتأن شديد تربّتُ على رعشة خفقاتنا وتكسرنا سهوًا،لتذكّرنا كم نحن متخمون بالصّقيع حدّ الشبع.

مشطي الذي كسّرَت حصباء الوقت أسنانه  تهاوى كأطلال الخراب،وعلب الحلوى الّتي تحوّلت إلى صناديق أحفظ فيها شعري المتساقط سرقته الجنّية وصنعت منه حبالًا  تربط بها العاشقين إلى المدى.

جدّتي الّتي ماتت قبل ألف عام همست في أذني وصيّتها الأخيرة"بنات التّعب لا ينبغي أن يعشقن رجال الحرس،والحكل الشّقيّ وشعرهن الطويل لا يجب أن يجدّل لحنًا خالدًا في جرم الهوى."

مواعيد الأمس البعيدة أغمضت أجفانها على جنائز العمر،ومن جوفها الفارغ وشغفنا بالأشياء الصغيرات أنجبت وليدنا المشوّه،خلسةً من الكون تحت رعشة السّماء،فراح يمتصّ ذواكرنا  كقلب عطش لا ينتظر فجرًا.


الأربعاء، 11 ديسمبر 2013

قراءة في شعر كوثر الزعبي/مرمر الأنصاري




كوثر الزعبي قلم متوتر يتحسس طريقه بحذر شديد،ومن جهة نوعيّة الفكر تتميَّز الكتابة بالثّقافة والبساطة، كاتبة متموجسة بانطلاقات  متحَفِظة وشيء من الأناقة،لوحات  يصعب تحديد ابعادها  تحديدًا أسلوبيًا،وعلى الرّغم من كون الكاتبة محاصرة بالزمان والمكان،فهي تظهر وهي تحاول الفعل حتى لو كان الفعل محض كلمات بخطى محاذرة، وهذا لا يستمر طويلًا، فسرعان ما تدركها سلطة الطبيعة وتبتلعها أو تحيط بها من كل صوب.

في نص "قميرة" صفحة 47 تبدي الشاعرة كوثر الزعبي ما اجتهدت اخفاءه في نصوصها السابقة،ولعلّها أخفته دون قصد،حيث قالت"هلي يا بشاشة الحقل الفريد"وهنا  نلاحظ خجل المفردة في تثوير الفعل حيث حاولت الكاتبة خلق توازن ما بين الأنا والمجتمع بالرغم من أن تفاصيل النّص كانت تحتمل قدرًا أكبر من التثوير،كاتبة يصعب  تحديد طبيعة نصوصها، اذ تراوح  بين الشعر والقصّة،والقصّة الشعريّة"،

تقول الزعبي في قصيدتها "قميرة"
"لا تستحي من أغلالك" نحن نُرغم على الاستحياء مما خلقنا عليه من أنوثة،صوتًا وحسًّا مرهفًا،ومن هيئتنا الّتي خلقنا عليها كنساء،الخ،لذا فإن محاولة الكاتبة هنا كانت تفترض مستوى أعلى من النهوض إلى الفعل.

 "كلمة حالمة" عنوان لأحد نصوص الزعبي،قراءتي لهذا النّص جعلتني أتصوّره في شكلٍ آخر  غير القصيدة،فلو رصفت أشطره الواحد تلو الآخر لخرج منه نصّ خاطرة نثريّة لتمنحه جمالًا وشكلًا جنسيًا أكثر جمالًا منه حين أرغم على التمدد بكلف في برواز"قصيدة".

العلاقة بين التّجربة والحدس هي علاقة جوهريّة،مشبّعة بالحالة السيكولوجية للكاتب،وذلك يرجع إلى تجاذب خاص بين لوحاته من ناحية،ومن ناحية أخرى بين معرفته الحسّية،ولعلّ أهمّ مفاتيح هذه الّلوحات هي طبيعة المرأة فيها وهي الأقرب إلى الصفاء،والإنكفاء على الصّبر والأحلام مبتعدة بذلك عن الواقع الحياتيّ المرير في مجتمعاتنا العربية الشرقيّة أو هاربة منه، وقديمًا أشار العديد من الفلاسفة، وليس الروحانيون منهم وحدهم ، إلى عدم كفاية المعرفة المتأتية عن الحواس وقال ديكارت  : لا تقدم لنا الحواس أية فكرة عن الأشياء كما نصوغها نحن بواسطة العقل"إلا أن الواقعة الحقيقة تقول بعكس ذلك تمامًا،إذ أن حواسها هي الّتي تمنحنا فكرة عن الأشياء وبالتالي نصوغ عنها فكرة،ثم فعلًا،والزعبي في جميع لوحاتها كانت حواسها هي الحاضرة وليس بالنّيابة عن العقل إنما جنبًا إلى جنب.

لم تحرص الزعبي على تقاليد القصيدة ،فضلا عن انتهاجها نهج الوجدانيين في محاولة غزل خيوط الواقع ونسجها في نسيج وجداني يتخذ من عناصر الطبيعة وعاءً لقضايا إنسانيّة وفكرية.
للوهلة الأولى تبدو قصائد كوثر كأنها تقدم استعراضًا للطبيعة، تتخذ فيه عناصرها سلطة مطلقة للفعل، كما نلمح في العناويين عنصرين تقليدين من معجم الوجدانيين،وفي القصائد نقرأ" أغنية  أمطار،بحر،بستان،زهور،نهر،أمواج ،غيمة،سماء ،حلم،النورس،" الطبيعة هنا  هي الحاكمة بسلطتها القسريّة الّتي تجعلها وحدها القادرة على التحكم بالزمن.

ثم تأخذنا الزعبي إلى عالم آخر إذ تنهض بنص "فلة النار"  مختلفة عن جميع لوحاتها السابقة،مفردة،لحنًا،وصورة، ورشاقة،كأن الشاعرة سكبت كلّ أرواحها في هذا اللّوحة،

زهرة
تفجرت
بتنهيدة فجرٍ
صهيلًا..تمرد على مربطه
إلى أينَ تمضين يا غريبة الرُؤى.؟



قراءة مرمر القاسم لبديوان هيروغليفيا للشاعر نوح العياصرة




الأدب الجميل ،ما يضيف لنا ونستفيد منه،ما ينمي ذوائقنا ويدغدغ شغاف عقولنا قبل قلوبنا،يستحق التّقدير،كان  بالإمكان قراءة ديوان الشاعر نوح العياصرة دفعة واحدة،إﻻ أنه لذيذ إلى الحد الذي جعلني أتوقف بعد كل نص إن لم أتوقف بعد كل شطر لإبقاء مذاق الحروف في فمي.

بعض نصوص الكاتب نشوة فزعة تنقلنا من طورِ الحيوانيّةِ الغريزيّةِ أللاإنسانية ، إلى طورِ الافتتانِ بالإنسانية،وإلى لوحات تصويريّة، فعجّت جدرانُ الديوان ،بالإثمِ والفزع وجمال التميّيز والإداراك والتقيّيم والنّقد للحالة الإجتماعية بسخرية عالية الّلذة،بلغةٍ بليغة راقيةٍ، متواريةٍ وبإشاراتٍ عابراتٍ لا تخدِشُ الحياءَ ولم يمارس دورَ القديس والخسيس الغليظ.

تناول الشاعر الأديب تفاصيل الحياة بحريّةٍ واستفاضةٍ أكبر ودونَ تورّعٍ أو تهيّبٍ، والحب دونَ أن يخوضَ في تفاصيل وصف العلاقة إلا بأسلوبٍ مرهفٍ دونما إسفافٍ، ودونما استعمالٍ لكلامٍ مؤذٍ للبصرِ والحواس.
اقتباس – منذ أول "كوغيه" امرأة
تمنحني الحُبَّ
بلا ثمن
وتلاقيني في الحلُم
تُقبّلني
وتمسّدُ بحرير يديها وجعًا
يتكدّسُ فوقَ خدودي
منذ ملايين الصفعات

نصوص كراقصين يرقصون متشابكي الأيدى ليشكلوا دائرة متراخيّة  ذات خطوط إيقاعيّة مستمرّة دون انكسار،تتمثل أقصى درجة من التأثير  بالحركة والصفاء، بل إنها تمثل معادلاً بصريًا مدهشًا لمعنى حب الحياة المفعمة  بالتناغم وبالأحاسيس الخالية من التوتّر مع اضافة مفردات عامية "محببة" أعطت للنص نكهة حنين قريبة من القلب..


من أول "كوغيه"مستعرضًا برشاقة العوامل الرئيسة الّتي أثرت في نشأته،طفولته،وصباه وشبابه،لإنتزاع الكلايشهات الإجتماعية ،وأهمها الخطوط  طولًا وعرضًا فوق جسده "للتأديب والتّهذيب"من حزام الوالد إلى عصا الأستاذ،والذين لم يراودهم أي إحساس بالذّنب.

اقتباس – منذ أول "كوغيه" صلعان
هل جرَّبتُم
حين يكون الفقرُ رصاصاً
والحاجةُ أمَّ الموتِ
وأخت الحزن
وصاحبةَ الناي
هل جرَّبتُم طعمَ "الزفتِ"
وطعم "البويا"
وتبوّأتُم مقعدكم من نار الدنيا
وطعامكمو فيها خبزٌ بالشاي


تكشف تجربة الشاعر أحيانًا عن جوانب من حياته كشظف العيش وجوع العربيّ إلى الحنين،إلى امرأة تنسيه بملاطفة عيصرة وجبل العتمات بأناقة أنثى،وتكشف أحياناً عن جوانب أخرى بما لم يقله ، وكثيرًا ما يكون الذي صمت عنه الشاعر أعمق مما قاله . لذا ربما اِعترى الديوان بعضُ الغموض،وهذا يعني أن لا تفسير واحدًا ونهائيًا للنّص، فالحداثة ضدّ الوضوح الذي لا يكشف عن جديد، لذا  يصعب علينا أحيانًا فهم الشعر الحديث أو الشاعر.

اقتباس – منذ أول "كوغيه" صلعان
هل غادرتم عبدونَ
إلى سقف السيل
ورأيتم إن كان الناسُ هناكَ
أناساً
أم جنَّاً يلتحفون الليل
ورفضتم طلبات النسوةِ
من "فيزونات"
وأعدتم أموال الوطن
إلى الأحياء الأموات
وتوقفتم عن خذلان بلاد الشمس
ينكأ الشاعر ،برأس قلمه وبقليل من العنف، كل الجروح: جرح فظاعات اليمين المتطرّف، جرح تدهور القيم الأخلاقية، جرح جبن الرجال، جرح صمت النساء ، جرح الزواج حين يكون بديلًا عن الحب في مجتمعاتنا، جرح الحب المزيف حين لا يكفي أن يكون مستحيلًا، جرح الفحش الماثل في آفات المجتمعات الحديثة، جرح المراهقين الباحثين عن لا شيء، جرح عبثية الحروب، جرح المحسوبية والتحيّز والتميّيز العرقيّ والطبقيّ، واللائحة أطول من أن تستوعبها هذه المقالة.

اقتباس – منذ أول "كوغيه"السور
سور الجيران كبيرٌ
أكبر من سور الصين
سور الجيران طويلٌ
أطول من حزن فلسطين

وجع فلسطين الممتدّ بين السطور،يدور في فلك الرّغبة العارمةِ راصدًا تجلّيات الوجع،رغبة ظامئة،لذّة  تتلوّى على وترِ الشّرهِ والافتتان بالوطن المسوّر مثل نعش ينتظر الرّدم في هبوط من علياء الحنين بالّلغة إلى أعلى درجات الألم.
يتجلّى في الديوان وزنُ الإبداع بتشكيلاتهِ كلمةً،ورسمًا،وصورةً، كلّ من تلك العناصر يقترض من الآخر ليهبنا شكلًا إبداعيًا موازيًا.

انتقد العياصرة ترسيخ المعتقدات الممتدة عبر أجيال وممارسات إجتماعيّة وأخلاقيّة ودومًا ،وكما نلحظ ،فإن حطاب تلك المعتقدات الإجتماعية هم الشباب المعبَأ فكريًّا وعقائديًّا لهذا النوع من الحروب الّتي يكون فيها الانتقام والتّبعيّة بحدود لا توصف من ممارسات شنعاء وهدّامة للشخصيّة العربية ،ويكون الهدف المنشود هو الوطنيّة والجنة حسب المعتقد الديني الإجتماعيّ ،لذا نرى الشخصيّة العربيّة تقوم على التّبعيّة ،من أجل الطاعة "العائليّة والعشائريّة"ومن أجل المقدس.


اتمنى ألا تطمر هذه الّلوحات الفنيّة بين الرّكام فهذا المؤلف ينبِئنا بشاعر،تنقصه الجرأة وتحرير قصيدته من الرّقابة الذّاتية ليكون مبدعًا حقيقيًّا مستقبلًا.